تركيا والمأساة السورية: التضحية بالكل من أجل الجزء - Almulahidh Magazine

Direkt zum Seiteninhalt

Hauptmenü:

وجهة نظر

تركيا والمأساة السورية:

التضحية بالكل من أجل الجزء!

أولا وقبل كل شيء أعترف أنني كمواطن عربي مسلم، كنت من أنصار السيد طيب رجب أردوغان من أول يوم أتى فيه إلى سدة الحكم، كما أني كنت ولا أزال من أنصار تلك السياسة التي تعمل على خدمة الناس وطرح البديل العملي وخصما لدودا لسياسة التهريج وتصريحات التخويف التي تمضغ الكلمات وتخوف الأصدقاء قبل الأعداء..

كما أني أذكر أن بعض الأصدقاء الأتراك من أتباع الزعيم التركي الراحل الأستاذ نجم الدين أربكان وقفوا في البداية ضد أردوغان وخاصة بعد موقفه السماح للطائرات الأمريكية لضرب العراق من القاعدة العسكرية إنجرليك INCIRLIK AIR BASE Turkey عام 2003.. وقد قال لي أحدهم حينها، أن المسلم لا يحق له أن يخون مهما كان.. ولا استثناء هنا.. لا يمكن لبلد مسلم أن يتآمر على آخر مهما كان.. قلت لصديقي ذاك.. أني أثمن موقفه وأعتز به، ولكن لا أعتقد أن أروغان - في ذلك الوقت - كان في موقف يسمح له برفض أو الاعتراض على مطالب أمريكا، وهذا ببساطة لأنه كان في بداية حكمه، وقد كان الجنرالات الأتراك هم الآمرون والناهون.. قبل أن يبسط نفوذه على الجيش ويفصل الجنرالات المتآمرين.

لكن بعد تحييد الجيش وإخراجه من اللعبة السياسة، وبعدما أتضحت سياسة النظام التركي الجديد رويدا رويدا، أقول إن قرار السماح للأمريكان باستعمال تلك القاعدة، كانت ستحدث، حتى ولو كان أردوغان الآمر والناهي ولا اعتراض على قراراته.. فقد بينت الأيام، أن سياسته إنما تعتمد على خدمة الأتراك وحدهم، ولا يهم إن كانت تلك الخدمة تؤدي إلى إلحاق الأذى بالشعوب الإسلامية الأخرى..

ولقد أظهرت الأحداث المتسارعة في سوريا منذ مارس 2011، أن للأتراك ونظامهم مسؤولية عظمى لما أصاب السوريين من مآسي ودمار..

في سبتمبر الماضي التقيت بصديق تركي قديم في عيادة طبيب الأطفال، وقد دردشنا في أمور السياسة وما يجري خصوصا في سوريا، وعن اللاجئين السوريين في تركيا خصوصا.. وذلك الصديق هو مناضل في حزب العدالة والتنمية أي حزب أردوغان.. والذي قاله لي في ذلك الحديث القصير.. جمد الدم في عروقي..

قال لي يا أخي لقد أخطأ أردوغان عندما وضع يده في يد الأمريكان.. وقال لي باعتباري تركي قادم من الناحية المحاذية لسوريا، أستطيع القول وأجزم أن الشاحنات المحملة بالسلاح كانت تدخل سوريا عبر الحدود مع تركيا منذ 2009 وبمباركة أردوغان الذي أتفق على ما يبدو مع الأمريكان على إسقاط نظام الأسد حتى قبل ظهور ما يعرف بـ "الـربيع العربي"!!

أردوغان وضع يده في يد أمريكا لزرع الفوضى الخلاقة في سوريا.. ونحن نعتقد أن ما حصل في سوريا لم يكن ليصل لهذا الحد من التعفن والتصرفات البدائية التي أرجعت سوريا قرونا للوراء، بدون الدعم الذي قدمه النظام التركي للمخابرات الغربية..

ثم عندما جاء ما يعرف بالربيع العربي أعتقد أردوغان أن حال النظام هناك سيكون كحال الأنظمة في مصر وتونس وليبيا ولكن كان الأمر غير ذلك.. وهذه المعلومة التي نكتبها هنا تتفق تماما مع ما قاله وزير خارجية فرنسا الأسبق (رولان دوما) الذي أكد أن التحضير للحرب على سوريا تم منذ عام 2010. وقد أشار في 15 جوان 2013, في مشاركة له ببرنامج "هذا يخصك" على قناة (LCP)، إلى محاولة استدراجه من قبل البريطانيين عام 2010 عندما كان بلندن- أي قبل "الربيع العربي" - كي يؤيد حربا ضد سوريا، تصب في مصلحة إسرائيل!

فقرار الحرب على ليبيا وسوريا تم التخطيط لها في نفس الوقت، وقد ضمنت اتفاقية (لانكستر ـ هاوس) المؤرخة في 2 نوفمبر 2010، التي وقعت لتنظم التعاون العسكري بين بريطانيا وفرنسا، بنودا سرية تتعلق بمهاجمة ليبيا وسوريا. وكلنا يتذكر كيف عرض بشار الأسد خدماته على إسرائيل منذ بداية الأحداث وقال "أنا حامي أمن إسرائيل"!

وحتى نعرف مسؤولية الإسلاموية الطوباوية التركية فيما جرى في سوريا، نقدم بعض الملاحظات:

- منذ بداية الأزمة سمحت تركيا بدخول ما يعرف بالإرهابيين الغربيين والعرب.. وكانت تراقبهم وهم يعبرون حدودها دون رادع.. ولم يعرف أن أمسكت ولو بإرهابي واحد.. بداية كانوا ينظمون لما يعرف بجبهة النصرة، ثم بعدها ومنذ بداية 2014 أصبحوا يلتحقون بداعش.

وقد طلبت حماية حدودها من صواريخ النظام السوري، وهكذا ألتحق جنود ألمان لحراسة حدودها بنظام الدفاع الجوي (باتريوت)، لكن لا الجنود الألمان ولا الأتراك عرقل دخول الإرهابيين..

نعم الشعب السوري تظاهر سلميا في مارس 2011 وقد واجهه النظام المجرم بالرصاص.. وتلك كانت شرارة انطلاق الثورة المناهضة للنظام السوري.. وكانت الأمور في العام الأول تجري بشكل طبيعي جدا، إلى أن بدأ النظام التركي بالتحالف مع السعوديين والقطريين والإماراتيين وبدفع وإيعاز من قوى غربية بالسماح للقوى المتطرفة دخول سوريا.. والتي استفاد منها نظام البعث بشكل كبير.. فبادر من جهته بإطلاق ما عنده بالسجون من متطرفين إسلامويين. (1)

ومنذ البدء صنعوا من أشباه المعارضين ممثلين للشعب السوري، ألبسوهم بدلات وربطات عنق ووضعوا لهم ميزانية بمئات الملايين من الدولارات وسلموهم جوازات دبلوماسية وحق الإقامة في الفنادق خمس نجوم في كل عواصم محور الشر من واشنطن لباريس، وقالوا لهم أذهبوا الآن وخربوا بلدكم! (2). فهكذا بدأت الأزمة السورية، قبل التعفن، وعندما تعفنت قالوا لا حلا سلميا في سوريا مع بقاء الأسد تارة ونعم لحل سلمي ببقائه تارة أخرى والبلد ضاع والشعب تشتت في الأوطان!

- لم تطلب تركيا فرض حظر جوي شمال سوريا، كالذي فرض في العراق بعد حرب الخليج الثانية لحماية الأكراد في الشمال والشيعة في الجنوب من طيران نظام صدام حسين.. وهذا ما يجعلنا نتهم تركيا ومعها الغرب، أنهم سبب هروب ملايين السوريين في عملية مخطط لها ترمي لتفريغ سوريا من السكان.. ولمدة تزيد عن أربع سنوات، لم يهتم الغرب بهؤلاء اللاجئين المنسيين، ولم يبدأ التفكير في الأمر إلا عندما بدأت جحافلهم تصل أوروبا برا وبحرا..

لماذا لم ينشط أوردوغان وبلاده عضوا في حلف الناتو، لفرض حظر جوي شمال سوريا.. وذلك كان سيساعد السوريين على البقاء في سوريا ولو في مخيمات، لكن داخل بلادهم أحسن لهم من الموت في البحر أو الإهانات المتعددة في (الزعتري) ولبنان وتركيا والغرب وغيرها؟ فالمعروف أن النظام السوري فقد السيطرة على أكثر من ثلاثة أرباع مساحة بلاده.. رغم ذلك تواصلت قوافل اللاجئين تخرج من البلد بلا توقف، والسبب بالدرجة الأساس هو البراميل المتفجرة التي يرميها النظام المجرم على شعبه..

- لماذا كشرت تركيا عن أنيابها هكذا فجأة، وتحملت عواقب إسقاط الطائرة الروسية يوم 24 نوفمبر الماضي، داخل المجال الجوي السوري، لإنذار روسيا بعدم ضرب القرى التركمانية، وقد سبق ذلك احتجاج تركي لدى روسيا واستدعاء سفير هذه الأخيرة في أنقرة، وتلاها دعوة رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو روسيا بالكف عن مهاجمة القرى التركمانية، بل ودعت تركيا مجلس الأمن للاجتماع من أجل مناقشة هذه القضية؟!

فتركيا وسلطانها طيب رجب أوردوغان لم تكن تفكر حقيقة في مصير السوريين كشعب واحد موحد..

وحتى قضية اللاجئين في أراضيها فهي لم تخدمهم هكذا في سبيل الله، حتى إن هم ساعدوا اللاجئين السوريين فلكي يجنون من وراء ذلك تسهيلات أوروبية في مفاوضات الانضمام للاتحاد الأوروبي، وحيث وضعيتهم التفاوضية قبل ظهور مشكلة اللاجئين السوريين، كانت جد سيئة، بل أن الأتراك فقدوا الأمل في حصول الانضمام في المئة السنة القادمة!

في الاجتماع الذي عقد في بروكسل يوم 29 نوفمبر الماضي بين تركيا ممثلة في رئيس وزرائها، داود أوغلو من جهة ورؤساء دول الاتحاد الأوروبي من جهة أخرى أعطتهم الأمل في إمكانية حدوث ذلك الانضمام.. بالإضافة طبعا للمساعدات المالية التي حصلت عليها في ذلك الاجتماع والمقدرة بثلاثة 3 ملايير أورو كدفعة أولى.. فعند التركي كل له سعره.. وكل تصرف يصدر منه محسوب ومدروس!

اللاجئون السوريون ألذين وصلوا أوروبا، صرفوا مبالغ باهظة من أجل الدفع للمهربين، وتلك الأموال جمعوها في غالبهم ببيع أملاكهم وعقارتهم في سوريا.. والمستفيد من هذه العملية هم بالدرجة الأساس الفرس ألذين وجدوها فرصــة لتوسيع نفوذهم وممارسة التبشير بشركهم في مناطق السنة كحمص ودير الزور وغيرها.. وكذلك الأتراك وخاصة في المناطق السورية المحاذية لهم والواقعة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط.. (دون أن ننسى أن من مخططات ما يعرف بالمسيحيين الجدد تغيير التركيبة السكانية في سوريا). فتركيا لم تقتطع فقط لواء أسكندرون غصبا واحتلالا، بل بقي لديها أطماعا في الأراضي السورية.. وقد قالها صراحة نائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية الحاكم وبصفة مدوية: "التركمان في سوريا جزء لا يتجزأ من تركيا"! (3)

فالاعتناء باللاجئين السوريين، هو نوع من الاستثمار لا أكثر ولا أقل.. استثمار مالي، بما جلبه السوريون معهم من آلات تجهيز ومصانع اقتلعوها من بلدهم المدمر وزرعوها في تركيا.. من الأموال التي تحصل عليها من الدول المانحة.. من الأراضي التي أشتروها من السوريين داخل سوريا.. استثمار سياسي سيدفع بالمفاوضات الانضمام للاتحاد الأوروبي.. فالتركي مكته هي بروكسل.. لديه عقدة لا توصف عندما عومل بازدراء واحتقار منذ بدأوا التفاوض منذ ما يقارب العقدين.. ولهذا رفعوا هذا التحدي ووضعوا في خططهم أن يكون العمل لهذا الانضمام بكل الطرق المتاحة، وكل الطرق تؤدي إلى بروكسل.. هذا الذي يهم التركي أولا وأخيرا..

- في اجتماع المؤتمر الإسلامي في إسطنبول يوم 25 نوفمبر الماضي، نفى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الاتهامات حول وجود تنظيم داعش في مناطق التركمان بالريف الشمالي لمحافظة اللاذقية السورية، قائلاً "تثار أقاويل أن تلك الطائرات كانت موجودة لقتال داعش، لكن لا وجود لداعش في اللاذقية وريفها الشمالي، الذي يسكنه التركمان، فلا داعي لأن يحاول البعض خداع الآخرين"!

وطالما كانت داعش أو الدواعش ـ فهي موجودة في عدة أشكال ـ موجه عن بعد من طرف النظام السوري وكذلك الأنظمة التي لها باع في الصراع السوري كتركيا والسعودية وقطر والقوى الغربية وغيرها، فتأكيدات أردوغان هنا، بأنه لا وجود لداعش في مناطق التركمان، قابلة للتصديق.. فأهل مكة أدرى بشعابها كما يقال!

فليس من مصلحة تركيا زرع (داعش) في مناطق التركمان التي تقول وتزعم أنها جزء من تركيا.. كما أن النظام العلوي ليس من مصلحته زرع دواعشه في اللاذقية وضواحيها وهي معقل الطائفة العلوية..

نفط الدم!

بسيطرة (داعش) على مناطق واسعة في سوريا والعراق، تمكنت من آبار نفطية عديدة، وهي تستخرج من تلك الآبار وبطرق بدائية نفط مكرر تبيعه في السوق السوداء..

والأسواق لذلك النفط الممزوج بدم الضحايا متعددة وواعدة في سوريا وتركيا والأردن وإيران، فلا أحد في تلك البلدان يسأل من أين يأتي ذلك النفط.. فعندما يتعلق الأمر بمصدر من مصادر الطاقة.. يستقيل الضمير ويتوقف عن مراقبة عمليات البيع والشراء..

الرئيس التركي أردوغان وفي رده على اتهامات روسية (5) بأن تركيا تشتري نفط داعش.. قال: " لسنا عديمي الكرامة لنشتري النفط من منظمة إرهابية"!!

لقد كان لحادث إسقاط الطائرة الروسية تأثير لا يستهان به في فرض تعامل جديد مع المأساة السورية، فالأزمة السورية يتحكم فيها قطبان واضحان:

قطب يشمل أشباه المعارضين السوريين ودول الخليج وتركيا والأردن بقيادة غربية أمريكية..

وقطب ثان يضم نظام المجرم الأسد وإيران وحزبها اللبناني العميل والعراق بقيادة روسية..

لهذا بدأت الآن بعض الحقائق تظهر للوجود أو بعبارة أخرى بدأ الغرب يتعامل معها على أساس أنها حقائق، والأيام القادمة حبلى بالأخبار التي يبثها الطرفان، التركي والروسي، والتي وإن كانت تحمل صيغة الدعاية، تبقى ممزوجة بالحقائق، لأنه لا دخان بدون نار كما يقال.

ولكن هل بالفعل سترفض تركيا شراء نفط بثمن بخس؟ بلا شك أنه لا علاقة لهذا بالكرامة، لأننا لسنا هنا أمام حالة (شحت)، بل هي عملية بيع وشراء حسب قانون العرض والطلب..

نعم تركيا تشتري ذلك النفط.. ربما ليس الحكومة في حد ذاتها.. بل كثير من المتعاملين الاقتصاديين الأتراك يشترون نفطا، بدون السؤال عن مصدره..

لقد استفادت تركيا من مآسي الشعب السوري، كما استفادت قبل اليوم من مآسي الشعب العراقي حيث كانت ولا تزال تعقد اتفاقات مع سلطات إقليم كردستان العراق لشراء نفط شمال العراق، بدون العودة إلى السلطة المركزية في بغداد.. رغم أن القانون العراقي يمنع المتعاملين الأجانب بعقد صفقات نفطية مع الأكراد دون موافقة السلطات في بغداد..

خلاصة...

تركيا تتحمل مسؤولية تدويل القضية السورية.. وكما يتحمل نظام العلويين مسؤولية ظهور العنف وطلب المساعدة من إيران وحزبها العميل في لبنان، لإخماد الانتفاضة، وطلبه قبل فترة قصيرة روسيا لقنبلة بلاده، حتى ينقذ ما يمكن إنقاذه من حكمه ولو بقي له جزء من اللاذقية فقط.. كذلك تتحمل تركيا مسؤولية فتح حدودها للإرهابيين ألذين لا برنامج سياسي لهم، سوى تعذيب الناس وقتلهم.

العامة من المسلمين يتأثرون بأبسط الأشياء ويغيبون عن فهم حقيقة الأمور.. فهم يهتمون ويحتفلون بأرودغان الذي يجود القرآن.. أو يحتج على سياسة إسرائيل العنصرية كما في مؤتمر دافوس قبل سنوات.. لكن الواقع العملي هو غير ذلك.. العلاقة مع إسرائيل جيدة، وهي كما كانت لا تزال تعترف بهذه الدولة التي طمست حقوق الفلسطينيين.. فهو يمارس عملية تهريج ممنهج لا يفيد العرب والمسلمين.. وكما يقال في ثقافة الغرب: يخطب في الناس عن الماء، وهو يشرب النبيذ.. أي هناك تناقض بين الواقع والدعاية.. تمارس الدعاية المغرضة لكسب عواطف العرب والتمكن من مالهم كما يحدث منذ فترة مع القطريين..

نعم لقد كانت سياسة حزب العدالة والتنمية نعمة على تركيا والشعب التركي، ونحن نسعد عندما نرى بلدا مسلما يتقدم ويتطور ويقوي اقتصاده ويمارس الديمقراطية كما تعرفها البلدان المتقدمة في عصرنا.. لكن هذه السياسة كانت نقمة على العرب وبالخصوص سوريا والعراق.. ونحن يهمنا الشطر الثاني من تلك السياسة لا الشطر الأول.

فليس فقط عرب تركيا ألذين عانوا عنصرية الأتراك عبر عقود، واضطروا لتغيير أسماءهم حتى تتأقلم مع القومية التركية الطوباوية.. بل حتى جيرانها العرب عانوا من سياستها العنصرية، حيث عملت من البداية على القفز على حقوقها وسيادتها، في التعامل مع الأقليات التركمانية في سوريا والعراق على أنها أجزاء تركية!

لقد كانت تركيا فاعلا أساسيا في مراقبة فرض الحصار على العراق، لهذا من حقنا السؤال هنا: هل كانت تركيا تتعامل بنفس القسوة والصرامة فيما يخص الحصار على العراق، لو كان أغلب سكانه تركمان؟ بالتأكيد لا!

فهي لم تعد تعترف بسيادة العراق، ومنذ 2011 تجاوزت السيادة السورية، ولم تعد تتعامل مع سوريا ككتلة واحدة ودولة مستقلة.

*

فالشعب السوري.. كل الشعب السوري بعربه وكرده وتركمانه، كلهم يعيشون فواجع كثيرة من قتل وتعذيب وتجويع ويتم وتشريد.. وهؤلاء القوم يتكلمون عن التركمان، وكأنهم شعب الله المختار!

فنحن هنا أمام إسلاموية شعبوية هشة لا تأخذ بعين الاعتبار طموح المسلمين في أمة إسلامية عادلة وحرة.. إنما يكفي أن كل عرق يحاول تحقيق بعض المطالب له، ولو على حساب الأعراق الأخرى الإسلامية.. كما يحدث الآن في سوريا وقبلها في العراق..

والأتراك هم أكثر الشعوب الإسلامية قومية وعنصرية تجاه الأعراق الإسلامية الأخرى، وخاصة العرب منهم ألذين يعتقدون أن لهم معهم عداء تاريخي يمتد منذ بداية القرن العشرين، عندما تمرد عرب الشرق الأوسط والخليج على الباب العالي وسلطان الدولة العثمانية.. فهم يحملون العرب بقيادة شريف مكة وتوابعه، التحالف مع لورنس البريطاني لإظهار القومية العربية في وجه حكم الخلافة الإسلامية، وإن كان الكل يعرف أنه لم يبق من الخلافة الإسلامية في ذلك الوقت سوى الاسم.. وقد أفضت إلى هيكل بدون روح، حيث تقاسمت القوى النافذة تركة الرجل المريض الذي توفي عام 1922 وبدل أن يدفن داخل أرضه، سلم مصطفى كمال الجثة للغرب، حتى لا يبقى للمسلمين مزارا يبكون فيه على ضياع الخلافة..

وقد رثا أمير الشعراء أحمد شوقي الدولة العثمانية والخلافة الإسلامية بأبيات من الشعر قال فيها:

ضَجَّت عليكِ مآذِنٌ ومَنابِرٌ

وبكت عليكِ ممالكٌ ونَواحٍ

الهِندُ والِهةٌ ومِصرُ حزينةٌ

تَبكي عليكِ بمدمعِ سحاحِ

والشَّامُ تَسأَلُ والعِراقُ وفارسٌ

أَمَحى من الأَرضِ الخِلافةَ ماحٍ

وأتت لكِ الجُمعُ الجلائلُ مَأتَماً

فقعدنَ فيه مقاعدَ الأَنواحِ

وتركيا التي تعاتب وتذرف على أطلال ضياع الخلافة دموع التماسيح، هي نفسها التي لا تعترف بسيادة الدين في المعاملة بين المسلمين، وتفضل الأخوة العرقية عن الأخوة الدينية..

فبالنسبة للأتراك فالتركي أولا وإن كان يزيديا يعبد الشيطان، والعربي أخيرا وإن كان من الأتقياء وهذه عقيدة الأتراك في السياسة وفي حياتهم اليومية..

وهل الدين الإسلامي يطلب منك التضحية في سبيل العرق والقومية، أم في سبيل الله؟ وما هو أولى هنا، العقيدة أم العرق.

هوامش:

1. داعش هي نتاج سياسة مخابراتية غربية التي دربت عناصرها في الأردن ثم زرعتها في سوريا، قبل أن يتبناها النظام السوري، ويقدم لها الدعم.. وقد كانت مستشارة الدموي بشار الأسد بثينة شعبان تتحدث عن إمارات إسلامية وعن مبايعات لأمراء عام 2011 بعد اندلاع الثورة السلمية مباشرة أي قبل أن تتحول إلى صراع مسلح، ولم يستوعب الناس في ذلك الوقت كيف كان النظام السوري يؤسس لإطلاق تلك الوحوش الضارية من زنازينهم وبخطط وإدارة محكمة من استخباراته ودعم لوجيستي غربي وخليجي تركي، للالتفاف على الثورة الفتية..

2. لا يسعنا هنا سوى الإشارة إلى بعض ما جاء في رسالة أرسلتها في عام 2004 على بريد موقع "صوت الجزائر" المناضلة العراقية الكبيرة الدكتورة أروى الكمالي وكانت تشير فيها للخونة الذين اعتمدت عليهم أمريكا في احتلال العراق الحبيب فجاء فيها: "عنهم قالت مادلين أولبرايت، وزيرة خارجية الولايات المتحدة في إدارة كلينتون: إنهم عملاء من الدرجة العاشرة لا يليق بالولايات المتحدة أن تعتمد عليهم. لصوص، سكارى، بلطجية. لا يفعلون أكثر من اصطياد المومسات والشجار فيما بينهم بالخناجر والأسلحة النارية والنصب على المطاعم وبيوت الدعارة. إذا كان هذا هو رأي مادلين أولبرايت فيهم، فماذا عسانا نحن أن نضيف؟". ونحن نقوم هنا بإسقاط هذا الكلام على كل أشباه الرجال ألذين يعتمدون على الأجنبي الحاقد لتدمير بلدهم أو احتلاله، إن كان هذا في المعارضة أو في الحكم. فالأرض كالعرض.. والذي تسول له نفسه طلب المساعدة من الأجنبي للقيام بأعمال إجرامية في بلده، فهو والدايوث الذي لا يغير على عرضه سواء.

3. وصف نائب أمين عام حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم، المتحدث باسم الحزب "عمر جيليك"، يوم الخميس 26 نوفمبر الماضي علاقة بلاده بالتركمان بأنها "علاقة عضوية متداخلة، فالتركمان جزء لا يتجزأ من تركيا".

وأضاف "جيليك" في تصريحاته للصحفيين، التي أدلى بها، عقب اجتماع المجلس التنفيذي للحزب في العاصمة أنقرة مساء أمس الأربعاء، قائلاً "على الجميع أن يعلم بأنَّ تركيا ستستمر في تقديم مساعداتها المادية والمعنوية للتركمان تحت أي ظرفٍ كان".

4. الأقليات المسلمة في العالم الإسلامي منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، تبنت سياسة التضحية بالكل من أجل الجزء..

الأتراك والأكراد وبعض الحركات البربرية والفرس والأفغان.. كل هذه الأعراق تنتصر لنفسها، لا للأمة.. حتى وصل الأكراد ـ ألذين لم يعد تهمهم بلدان مثل العراق وسوريا، بل كل الذي يهمهم هو تحقيق حلمهم في كردستان الكبرى ـ يعاتبون القائد صلاح الدين الأيوبي، لأنه لم يخدم القومية الكردية، بل كل الذي خدمه في حياته هو الإسلام والذود عن أوطانه وطرد الصليبين من أرض الإسلام، وهذه مفخرة لا تعني شيء في أيدولوجية الأكراد!!

وقد ظهر المسعى (التضحية بالكل الإسلامي من أجل الجزء القومي) جليا عند قوميتين أساسيتين: الأولى هي القومية الفارسية، ولها ما يبررها لأن عقيدتها رافضة صفوية لا تتفق مع تعاليم الدين الإسلامي السمح.. والقومية الثانية هي القومية التركية، ولا يوجد لها ما يبرر عملها الدؤوب في السيادة على حساب القوميات الأخرى من عرب وأكراد.. فالتركي تهمه تركيا والعرق التركي فقط.. ومهما حاول ساستها بطوباوية مكشوفة تسويق تلك السياسة على أنها إسلامية، ينكشف أمرهم في نهاية المطاف.. كما حدث الآن عندما فقدوا صوابهم في الدفاع عن تركمان سوريا!

5. من ضمن هذه الاتهامات ما قاله الرئيس الروسي في مؤتمر المناخ بباريس يوم 30 نوفمبر الماضي عندما أتهم الحكومة التركية بإسقاط الطائرة الحربية الروسية قرب الحدود مع سوريا: "من أجل حماية تجارتها النفطية مع تنظيم الدولة الإسلامية".!!

وقبل هذا كان رئيس وزراء روسيا (مدفيديف) قد صرح بأن "هناك مصالح مالية مباشرة لمسؤولين أتراك مرتبطة بتوريدات (داعش) للنفط.

علي فودي | ديسمبر 2015

 
Zurück zum Seiteninhalt | Zurück zum Hauptmenü