ركائز التنمية السليمة - Almulahidh Magazine

Direkt zum Seiteninhalt

Hauptmenü:

جزائر 2030
كل يغني ليلاه

ركائز التنمية السليمة

مقارنة بين ألمانيا والجزائر

 

   تكونت الحكومات والجماعات والأنظمة عبر التاريخ لخدمة شعب معين أو جماعة بشرية معينة، فحتى يكون السير الحسن للحياة اليومية ومعاملات الناس بين بعضها البعض، تكون هناك أطر منظمة لهذه العلاقة. فالأصل الإذن في وجود أي حكومة هو خدمة الشعب، في الجانب الاقتصادي الاجتماعي بالدرجة الاساس. ولأن هذا هو هدف وجود الحكومة، كان لزاما عليها أن تختار بين الوسائل الأكثر نجاعة وعدالة لتحقيق الرفاهية والتقدم للشعب الذي تخدمه.

   والتنمية السليمة التي تحقق هذه الرفاهية ترتكز على أسس هامة، متجانسة ومتكاملة فيما بينها وهي:

ـ التنمية البشرية ـ الجودة والاختراع ـ الاقتصاد في الطاقة ـ الحفاظ على البيئة.

   فالمجتمعات التي تساير التطور البشري، لا تريد التنمية بأي ثمن مثلما يحدث في الصين مثلا، بل أنها تختار الأحسن منها للإنسان والمحيط، وحيث الإنسان هو مركزها ومحركها والهدف منها.

- التنمية البشرية

   الاقتصادات الحديثة تفطنت منذ مدة الى أن الإنسان الفاعل الرئيسي في أي تنمية اقتصادية ناجحة، لا يمكن أن يقوم بدوره الحقيقي دون العناية الكاملة به، ولن يتحقق ذلك دون توفر شروط عملية ملموسة أهمها عقود العمل العادلة التي تحفظ حقوق العامل وتؤمن دخله في حالة المرض او عند التقاعد. وتحديد ساعات العمل وتوثيقها في عقود بالتراضي، وألتي تمكن العامل بأن يعمل ليعيش لا أن يعيش ليعمل، أو بمعنى آخر يعمل بأجر يكفيه ويكفي أسرته ويوفر له الظروف المواتية لحياة شريفة. والتأمين الصحي الشامل. فالعامل الذي إن مرض لا يجد من يعتني به أو أين يعالج لا تنتظر من عمله شيء. سيتحول الى بطالة مقنعة، يأتي كل صباح إلى مكان العمل، يسجل حضوره، لكن لا يمكن أن ينتظر منه أن يقدم العمل المطلوب. فهو منهك متعب والأمراض تطارده.

   لهذا كان ضروريا توفر هذين الشرطين للعامل الناجح المنتج في المصنع وفي الحقل وفي السوق.

   ولإن لا أحد يولد اليوم ليذهب في اليوم الموالي إلى العمل لتقديم الخدمة المطلوبة منه، كان لزاما على الدولة (الحكومة) اعتبار التنمية البشرية عملية متكاملة ملازمة للمواطن من المهد الى اللحد. فالحياة الكريمة للمواطن داخل مكان العمل وخارجه هو الذي يضمن تنمية سليمة مفيدة للمجتمع والإنسانية.

   والحياة الكريمة نستطيع حصرها في خمس نقاط ضرورية ومتكاملة:

1.   الغذاء واللباس والسكن: لن يتم توفير هذا البند الأساسي في حياة الإنسان دون تحرير الاقتصاد الجزائري من رواسب الماضي ووضع اللبنات الأساسية لاقتصاد عصري يأخذ بعين الاعتبار التزامات الدولة الاجتماعية ومكافحة الفقر المقنن في اغلب الحالات.

ولقد قضت ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى على امتيازات النبلاء وسوت المواطنين في الحقوق والواجبات ثم سارت بعد الحرب العالمية الثانية على نهج اقتصاد السوق الاجتماعي تحت قيادة وزير الاقتصاد آنذاك (لودفيغ ايهارت (Ludwig Erhard الذي رفع شعار "الرفاهية للجميع" (Wohlstand für Alle)، فساد العدل وأصبحت العناصر المذكورة أعلاه في متناول كل مواطن طوال حياته.

2.   العلاج: العلاج في ألمانيا متوفر للجميع بنفس الفحوص وبنفس المعاملة، سواء أكان المريض ألمانيا أم أجنبيا، يعمل أو لا يعمل. فالذي يعمل سيؤمنه صاحب العمل، والذي يبحث عن العمل يؤمنه مكتب العمل وغير ذلك يؤمنه المكتب الاجتماعي. كل يتجه الى الطبيب مرفوع الرأس يعلم أنه سيحصل على العلاج الضروري والدواء اللازم المتوفر في السوق.

في الجزائر هناك طبقية رهيبة في هذا المجال. والمرضى هنا هم ستة أصناف:

- الذين يحصلون على امتياز العلاج في الخارج (المحظوظين من أبناء النظام أو النبلاء)

- نخبة النظام التي تعالج على مستوى مستشفيات تابعة لقطاعات محددة، كالجيش والشرطة.

- المستشفيات والعيادات الخاصة التي تمارس التجارة بالمرضى في غياب رقابة فعالة من طرف الدولة.

- الذي يملك واسطة ربما يحصل على موعد لإجراء فحص أو سرير للإقامة في مستشفى مصطفى باشا مثلا.

- الذي يذهب الى الطبيب العام ولا يواصل المعالجة على مستوى التخصص، يشتري ما يعطيه الطبيب في الوصفة وفي الغالب دواء بدون فعالية، للتسكين فقط.

- الذي لا يستطيع الذهاب للطبيب من الأساس، ومعنى هذا أنه لا يستطيع شراء الدواء، لهذا نرى سلطة لا مثيل لها داخل المجتمع الجزائري للمشعوذين.

   أعضاء هذه الفئة الأخيرة ربما حصلت على فحص على مستوى مستشفيات بدائية لا تقدم ولا تؤخر، عديمة النظافة والدواء. وهذه المستشفيات التي تعرف بأن العلاج فيها مجانيا، وهذا للتغطية على الرداءة لا لخدمة المريض. ففي واقع الأمر ليست بمجانية أبدا؛ لأننا لم نسمع عن أطباء يعالجون بالمجان وممرضات يذهبن في الصباح إلى المستشفيات ويعدن في المساء هكذا بدون استلام الأجر. فهذه لغة الخشب التي عفا عنها الزمن.

   والحل للمنظومة الصحية المريضة في الجزائر يكمن في خصخصة الصحة بشكل نهائي وربط المستشفيات بمؤسسات تضبط الأسعار والخدمات مع شركات التأمين، والدولة بدورها تتكفل بمن لا يستطيع الدفع فتدفع بدله، وهذا سيصنع الفرق، لأن المنافسة على خدمة المريض ستكون حادة، بما يعني تحسين الخدمات وتحسين القطاع عموما.

3.   التعليم والتكوين: لا يكفي هنا التغني بمجانية التعليم في الوقت الذي يكون متدنيا لا يوفي بشروط التكوين اللازم للفرد حتى يضمن منصبه في مناخ عمل لا يرحم ولا يحترم من لا يتوفر على مهنة، بل ويعاملهم كالعبيد؛ الأجور متدنية والإهانة لكرامة العامل.

   ثم حتى القول بمجانية التعليم ـ كما هو الحال في العلاج المجاني ـ فهي مغالطة في حد ذاتها، لأن المنتسبين لقطاع التعليم لا يقومون بعملهم مجانا، بل يأخذون أجور بدل العمل المقدم وساعات التدريس. لهذا كان التفاخر بمجانية التعليم في حقيقة الأمر للتغطية على تدني مستواه. من يرافع من أجل تحسينه وتطويره يقال له: عليك أن تفتخر فالتعليم عندنا مجانيا!

 وكما في العلاج على مستوى مستشفيات الدولة فالأجور المدفوعة للموظفين في قطاع التعليم تدفع من خزينة الدولة، بما يعني من عائدات الريع البترولي وأموال الضرائب التي يدفعها المواطن.

4.   الحرية الشخصية: الحرية في اختيار التخصص. الحرية في المشاركة في الحياة العامة. إعتبار الشخص ـ أيا كان ـ مهما بدعوته للتعبير عن رأيه، إن كان في انتخاب أو إبداء رأي حول قضية معينة، أو المشاركة في نقابة من النقابات التي تمثل مصالح العمال.

فالدولة العادلة لا تسير بالقيود بل بالحرية والحرية هي الحافز الاساسي للإبداع.

5.   الفرص المتكافئة في العمل والتكوين: الناس سواسية كأسنان المشط، هذه من قيم ديننا الإسلامي، لكن في واقعنا المشرقي لم يعد لها وجود. في الغرب ـ المثال الألماني ـ على العكس من ذلك ففعلا كل الناس سواسية ليس بنص الدستور فقط، بل كذلك في الواقع الملموس، كل مواطن مهم وكل له فرصه التي ما عليه سوى المطالبة بها ليحصل عليها بدون بيروقراطية أو تهميش.

   هذه أهم النقاط المشكلة لهذا العنصر الأساس في أي تنمية سليمة، لهذا من المفروض أن الجزائر تراجع كل الأساليب المتبعة لحد الآن وتنطلق في بلورة أرضية عملية لفرض الاهتمام اللازم بالمواطن الجزائري وهي مطالبة بالقيام بما يلي:

. رد الاعتبار للمواطن عامة والإطار الجزائري منه بالخصوص ووضعه في مكانة أحسن من مكانة الأجنبي مهما كان هذا الأجنبي.

- إلغاء امتيازات ما يعرف بالأسرة الثورة - ما عدا نساء الشهداء - وإقرار صرف المعونات للمواطنين والمحتاجين ووضع منحة البطالة، حتى يصبح كل مواطن جزائري - لا يهم عمره - يتوفر على سيولة نقدية.

- رفع الدعم عن المواد الغذائية والغاز والكهرباء والمياه، وستكون المنحة المعطاة لغير العاملين من الباحثين عن العمل والمتمدرسين، لفرض العدالة بين المواطنين، بمعنى أن الأموال التي تسخرها الدولة الآن للدعم ستوجه لمستحقيها فعلا، وبهذا ستكون ديناميكية في الاقتصاد والاستثمار والانفتاح كخطوة أولى للإتباع اقتصاد السوق الاجتماعي الأكثر عدالة وإنسانية.

***

- الأفكار والجودة

   لم يعد الآن صعبا استنساخ أي منتوج موجود في السوق، فالصين منذ عشرات السنين وهي تعيش إجمالا من هذا التقليد غير المسموح به، لكن الاستنساخ لا يعني أنك تحصل على المنتوج نفسه، فحتى إذا ظهر من أول وهلة على أنه أصليا، سيسقط المنتوج المقلد في أول اختبار تقوم به شركة المراقبة التقنية. طبعا هذا الذي يصنع الفرق الآن في عالم الاقتصاد والتكنولوجيا.

   المنتوج الأصلي ذو الجودة العالية يستعمل في الغالب لإنتاجه المادة الخام المرتفعة القيمة والمنفعة، عكس المقلد الذي يستعمل مادة خام رديئة على أمل بيع المنتوج رخيصا حتى يثبت في السوق.

   فالتسابق الآن هو في تطوير المنتوج وتوسيع خدماته. لم يعد الكلام اليوم عن الإنتاج في حد ذاته بل في مردوديته. أما الإنتاج فتسطيع أي دولة القيام به. نحن في البلدان العربية التي أرهبتنا الحكومات بالكبت والقهر والحجز على العلم، ننبهر حتى بالمنتوجات الصينية المسرطنة (*) التي تباع في أسواقنا بدون رقابة أو اختبار. كل ما ينتج في الصين تستطيع أي دولة في العالم إنتاجه إن توفرت الإرادة لذلك. نعم ليس كل ما ينتج في ألمانيا ينتج في بلد آخر (الجوسسة الاقتصادية) لكن ما ينتج في الصين لا يتوفر على الخصائص التي تجعل منه منتوجا فريدا غير قابل للتكرار.

   فيه أحد المسؤولين الجزائريين صرح في عام 2009 وقال إن عام 2011 سيكون عام انتاج أول حاسوب جزائري!، نحن الآن في عام 2015 ولم نسمع عن هذا الحاسوب. وبغض النظر عن هذا التصريح، فصناعة حاسوب أو هاتف محمول لم يعد صعبا، باعتبار أنه مهما حمل من أسماء تبقى مكوناته واحدة تقريبا. فلو أن الدولة الجزائرية تملك الرغبة الحقيقية لإنتاج كذا منتوج، فإنها الآن تكون قد سجلت على الأقل النسخة العاشرة منه.

   في كينيا نجحت شركة محلية من إنتاج سيارة رباعية الدفع بوسائل محلية بحتة. في عدة بلدان مصنفة في مصاف البلدان المتخلفة تنتج أجهزة وآلات صالحة، لكن أحد الفروق الرئيسة هي افتقادها الجودة وبهذا الفاعلية القصوى.

   فألمانيا نفسها ولغاية نهاية القرن التاسع عشر كانت منتوجاتها رديئة ومقلدة للصناعة البريطانية الرائدة في ذلك الوقت، حتى أن البريطانيين هم من أقر بموجب قانون 1887 تحديد بلد المنتوج، حتى يعرف الزبون المنتوج الجيد من الرديء وهم من وضع علامة: (Made in Germany) أي علامة "صنع في ألمانيا" لتحذير الزبون! والكل يعرف كيف أصبحت هذه العلامة بالذات رمز للثقة والجودة العالية وبعد الحرب العالمية الثانية رمزا من رموز المعجزة الاقتصادية الألمانية. إذن لا شيء ثابت، الإرادة هي كل شيء.

   كوريا الجنوبية حتى نهاية الألفية الثانية كانت منتوجاتها رديئة واقتصادها منهار، واضطرت عدة مرات لطلب خدمات صندوق النقد الدولي، لكنها عندما غيرت سياستها وفضلت الجودة كعنوان للصناعة في مجال السيارات والإلكترونيات فرضت نفسها واصبحت شركاتها مثل (سامسونغ) و(آلجي) و(هونداي) وغيرها رائدة في الصناعة العالمية.

   يكثر الكلام عن الآلاف الباحثين الجزائريين الذين لا يبتكرون شيء ولا يخترعون، فهؤلاء هم في حقيقة الأمر ينفذون مهمة حجز أماكن داخل تخصص يراد له أن يبقى رمزيا فقط، لكن لا يمكن أن ينقص ذلك من قيمة الباحث الجزائري في حد ذاته، فهو نفسه الباحث الذي يبدع في فرنسا وأمريكا وغيرهما عندما يعمل في مناخ أبحاث حقيقية لا صورية.

   في ألمانيا وضعت في ميزانية هذا العام 11 مليار أورو وهذا فقط لدعم الأفكار وبراءات الاختراع الجيدة! فكل من عنده فكرة مفيدة، لا يفكر في الوسائل المادية لتحويلها الى شيء ملموس. الدولة تقوم بهذا الدور وشعارها في هذا: أنت تفكر ونحن ننفذ بدون عوائق، فالمسألة كانت ولاتزال مرتبطة بالحوافز المادية والمعنوية التي تقدمها الدولة لباحثيها.

***

- الاقتصاد في الطاقة

   منذ أكثر من عقدين، وشركات صناعة السيارات تتسابق لإنتاج السيارات التي تستهلك أقل من 3 لترات بنزين لمائة كيلومتر. حتى مجال السيارات لم يعد محتكرا على بلدان معينة، كل حكومة في العالم ترغب في دخول هذه الصناعة تستطيع ذلك، فالعلم في هذا المجال أصبح متاحا، وكما أشرنا فيما سبق، فالذي يصنع الفرق في هذا الباب هو الاقتصاد في الطاقة في الوقت الذي تحتفظ فيه الآلة بقوتها الكاملة.

   فمن جهة الآلة التي تستهلك طاقة أكبر غير محببة عند المستهلك لأنها تعني تكاليف أكثر، ومن جهة أخرى فالاقتصاد في الطاقة يعني الحفاظ على البيئة كذلك، باعتبار أن الوسائل المستعملة في توليدها تقل. طبعا إذا كان الحال كما في الجزائر حيث سعر البنزين يعادل 20 دينار تقريبا (المياه المعدنية أغلى منه!) فلن يضيع المستهلك الجزائري التفكير في اقتناء سيارة أقل استهلاك للبزين والديزل والغاز - هذا لا يهمه - وهذا في حقيقة الأمر الذي رسخ ثقافة عدم الاهتمام؛ لأن الاقتصاد عموما يدور خارج التاريخ. المواطن الألماني يتنقل في مرات عدة من محطة بنزين الى أخرى على أمل أن يجد سعر اللتر في المحطة الثانية سانت أو سانتين أرخص من المحطة الأولى، لأنه مستهدف في جيبه، حيث سعر اللتر من البنزين مثلا يفوق الـ 200 دينار. إذن هناك ثقافة تكتسب بالردع وبمعاملة المواطنين كأفراد بالغي سن الرشد يتحملون مسؤولياتهم. أما إذا كان الدعم وكانت الأسعار رخيصة، فهذا يصبح مضللا للمستهلكين ويعلمهم الخمول والعيش على الهامش.

   نقطة مهمة جدا في هذا الباب لم نرى لها الاهتمام المطلوب من طرف النظام الجزائري وهي الاستثمار في الطاقات المتجددة. فهذا العنصر الحيوي الذي يجد كل العناية في ألمانيا (الطاقة الشمسية والهوائية والعضوية)، نجد الجزائر رغم ما تتوفر فيه من إمكانات هائلة في هذا المجال (الصحراء وما تشكله من مورد لا ينضب في توليد الطاقة الشمسية) غير متحمسة لاستغلال هذه الخيرات التي منّ الله سبحانه وتعالى بها على العباد. حتى عندما جاء الألمان بمشروعهم (DESERTEC) قوبل بفتور وعدم الاهتمام - هذا ما نستخلصه كملاحظين - طبعا ليس بالضرورة قبول هذا المشروع أو ذاك، المهم أن تتغير نظرتنا ايجابيا نحو هذا النوع من طاقة (طاقة المستقبل)، وبدل التفاخر بالاحتياطي النقدي المرتفع، فالأحسن ان يستثمر جزء منه لتأمين مستقبل البلد من الطاقة غير المكلفة كثيرا والنظيفة، ولما لا تصديرها لمن يطلبها في عالم يتزايد فيه يوميا الطلب على كل أنواع الطاقة الموجودة في العالم.

***

- الحفاظ على البيئة

  لقد بدأت ألمانيا منذ نهاية السبعينات من القرن الماضي في وضع آليات صارمة للحفاظ على البيئة، حتى تحولت الى ممارسة يومية على مستوى الخواص ولكن قبل كل شيء على مستوى المؤسسات الصناعية. كل منتوج جديد وكل سيارة جديدة أو آلة تجهيز حديثة عليها أن تنجح في اختبار قياسات معينة، تضمن أن هذا المنتوج أو ذاك لا يضر بالبيئة ولا يضر بصحة الإنسان بشكل مباشر.

   في ماي الماضي أعطت الحكومة الجزائرية الموافقة لفرنسا بالتنقيب في مجال الغاز الصخري، بما يعني التلوث البيئي الذي ينجر عنه.  ففرنسا التي لوثت صحراء الجزائر في الماضي بتجاربها النووية وألتي ستلوثها في الحاضر بعمليات التنقيب في مجال الغاز الصخري رفضت على لسان رئيسها عمليات التنقيب في مجال الغاز الصخري على أراضيها. لكن الجزائر تعطيها الموافقة رغم شح الموارد المائية الجوفية ورغم المخاطر المنجرة عن هذا التنقيب.

   فالمفروض أن بلدا مثل الجزائر الذي عانا التصنيع الخاطئ والتدمير البيئي في السبعينات، كان عليه أن يحتاط في كل مشروع جديد، تختبره عن عدم تلويثه للبيئة. لكن هذا بكل أسف ليس هو الحال.

   ألمانيا التي عانت من نفس المشكلة لغاية منصف السبعينات. استثمرت في الأربع عقود الماضية 120 مليار أورو وهذا فقط لتنظيف أنهارها التي لوثتها الصناعات الثقيلة، كالتي استوردتها الجزائر بداية السبعينات. فقد تحولت أنهارها الى قاذورات تخرج منها رائحة كريهة، لا حياة فيها، لكن بعد المعالجة وعمليات التنظيف الصارمة، أصبحت الآن صالحة للملاحة ولتربية الأسماك والسياحة والمياه الصالحة للشرب.

    فهي لم تعالج ما أفسد قبل اليوم فقط، بل احتاطت ألا يتكرر الأمر مرة أخرى، لهذا وضعت شروطا قاسية للمؤسسات الصناعية تلزمها من تصفية ما تنتجه من فضلات، كوضع أجهزة تصفية المياه على مستوى المؤسسات وغيرها، بحيث أنه لا مواد ضارة ملوثة تصب في الأنهار أو تصل إلى المياه الصالحة للشرب والاستحمام والري الزراعي.

عندنا في الجزائر بكل أسف لم نستفد من الدرس القاسي الذي عشناه جراء التصنيع المدمر للبيئة في السابق. فلم نأخذ العبر ونقول إلى هنا وكفى. لا يمكن أن نسمح بتكرار السيناريو السابق. لا، كل الدلائل تثبت أن المعضلة مستمرة وتكرار الأخطاء سيمة التخطيط الصناعي المضر بالبيئة والإنسان.

   فالاقتصاد الجزائري الذي توجه شرقا وفتح مجاله للصناعة الصينية المقلدة الرديئة، سيبقى اقتصادا تابعا متخلفا لا يلبي طموحات الأجيال التي تعي التحديات جيدا لكنها مكبلة بقرارات فوقية لا تأخذ بعين الاعتبار تطلعات المرحلة. وإذا كانت الجزائر قد اضطرت في السابق لقبول ما عرض عليها من طرف ألمانيا مثلا في مجال التصنيع، باعتبار أن الجزائر كانت خارجة من حرب، فقيرة في الموارد والإطارات وأهل التخصص، فاليوم لا عذر لها، عندما تعتمد على الصناعة الصينية التي لا تستوفي الشروط السليمة، وحيث المستثمرين الصينين أنفسهم يتوسلون الألمان لتزويدهم بالخبرة الرائدة (Know-how) على مستوى العالم. هل هو محكوم علينا تتبع الرداءة واقتناء الأسوأ الموجود على مستوى السوق؟

   ثم هل الشركات الأجنبية التي تنشط في الجزائر تجلب الآلات الجديدة أم المستعملة؟ لماذا لا يطبق عليها نفس الشروط المطبقة على المواطن الجزائري، المحروم من استراد آلات تجهيز وعربات وسيارات مستعملة؟

   شخصيا اشاهد بشكل مستمر كيف أن الصيني يأتي هنا الى ألمانيا لاقتناء وشراء آلات التجهيز المستعملة، منها المصنوعة في الثلاثينات من القرن الماضي. فبلاده تسمح باستيراد مثل تلك الآلات لأنها تقدر قيمتها، ولا تضع الحواجز والعراقيل في طريق المستثمرين الصينين، لهذا يدعمون مصانعهم لإنتاج ما يسوق في بلداننا التي تعاني من فساد وبيروقراطية وقوانين جعلت من الاستثمار خاصية لمن له واسطة في النظام فقط.

    في السبعينات جاء الألمان وبنوا لنا مصانع على الشكل الذي كان سائدا عندهم، هنا تلوث للبيئة وهناك كذلك. والآن يأتي الصيني للاستثمار في الجزائر وإقامة مشاريع على الشكل المتوفر في بلاده. وهذا يعني آليا أنه سيلوث بيئتنا كما يلوث بيئته، تماما كما كان الحال مع الصناعة التي زودتنا بها ألمانيا قبل أكثر من أربع عقود.

أليس من الحكمة رفض استثمارات يكون هذا مصدرها، والتوجه غربا لبناء تنمية سليمة حتى وإن كان ثمنها أغلى مما يعرضه الصينيون وغيرهم، الذين لا يحترمون المواصفات المتقدمة في بناء المصانع والمواد المستعملة في الفلاحة والاستهلاك عموما؟

يحق لنا على الأقل الحلم بذلك. فالمفيد للبلاد والعباد هو اقتناء أجود ما في السوق، حتى يتوقف النزيف ونتخلص من السلبيات.

   قد يقول قائل هذه ألمانيا وتلك الجزائر، فأي مجال للمقارنة. بالخصوص في الصناعة. نعم لا مجال للمقارنة الآن، لأن ألمانيا اتخذت الموقف السليم في الوقت المناسب، فجنبت بلدها الويلات والأمراض الفتاكة، لكن ليس ذلك مستحيلا في أن يقترب مستوى التنمية عندنا المستوى الموجود عليه في ألمانيا، إن كانت هناك إرادة سياسة تريد تغيير الوضع نحو الأحسن. والمثل الألماني يقول: "فحيث تكون الإرادة يكون الطريق"(**)

   كخلاصة لهذه الإشارة البسيطة لموضوع التنمية وركائزها (***) نقول إنه بدون تغيير السياسة المتبعة، سنبقى نعاني لزمن طويل وسنرهن مستقبل الأجيال القادمة لعشرات السنين.

 

علي فودي | مارس 2015

ـــــــــــــــــــــــــــ

هوامش:

(*) الصناعة الصينية لا تهتم بمراقبة منتوجاتها إلا إذا اضطرت لذلك. في معرض الصناعة الذي يقام سنويا في مدينة هانوفر ـ ألمانيا، وفي عام 2013، تبادلت الآراء مع أحد العارضين الصنين الذي كان يعرض ما تنتجه شركته من مضخات المياه بأحجام وأنواع مختلفة، وقد سألته عن الجودة. فأشر على مضختين معروضتين أمامه، شكلهما متشابه، فقط واحدة موضوع عليها علامة الرقابة التقنية للشركة الألمانية المعروفة (TÜV) والأخرى بدون علامة وقال لي فالأولى مخصصة للسوق الأوروبية والثانية لغيرها من الأسواق! لهذا في كثير من المرات يتسبب المنتوج الصيني في أمراض جلدية وفي سرطان الجلد، لأنه منتوج غير مراقب، وهذا بالمناسبة ثقافتهم هناك. فيه أحد الشوارع في مدينة صينية سماه ناشطون في مجال حماية البيئة بشارع السرطان، لأنه لا يخلو بيت فيه من مريض بالسرطان بسبب التلوث البيئي والمياه والهواء، الذي تسببت فيه الشركات الصناعية التي تعمل بدون رقابة.

(**) Wo ein Wille ist, ist auch ein Weg

(***) ركزت في هذه الإشارة على الصناعة، لأن الهوة الكبيرة الموجودة بيننا (نحن الذين ندور في حلقة اقتصادية مفرغة) وبينهم هم (الذين فهموا استغلال الفرص في الحياة) إنما تكمن أساسا في هذا القطاع. طبعا بدون اهمال الجانب الفلاحي البالغ الأهمية ولا قطاع الخدمات والتجارة، فكل يكمل بعضه. لكن في الصناعة هي التي تلوث البيئة أكثر من غيرها من القطاعات، وهي التي تستهلك الطاقة أكثر.

   بكل تأكيد عندما نتكلم عن التنمية البشرية فنحن نقصد كل ما له احتكاك معها داخل المنظومة الاقتصادية الاجتماعية، إن كان هذا في القطاع الصناعي، القطاع الفلاحي أو قطاع الخدمات.

 

 
Zurück zum Seiteninhalt | Zurück zum Hauptmenü